ابن عطية الأندلسي

393

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] وقوله تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] . واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا الآن في الشرع ، وأن هذه الآية آذنت بعدمه ، فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا يحرم ذلك شيئا من عقائد الشرع ، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به . قال القاضي أبو محمد : وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب الحديث . واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم أم لا ؟ فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار ، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن ، وتكليف الشرع له الإيمان راتب ، فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] ، وقالت فرقة لم يقع قط ، وقوله تعالى : سَيَصْلى ناراً [ المسد : 3 ] إنما معناه إن وافى على كفره . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وما لا يطاق ينقسم أقساما : فمنه المحال عقلا كالجمع بين الضدين ، ومنه المحال عادة ، كرفع الإنسان جبلا ، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه ، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره ، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير ، و يُكَلِّفُ يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره « عبادة » أو شيئا ، وقرأ ابن أبي عبلة « إلا وسعها » بفتح الواو وكسر السين ، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب ، وكان وجه اللفظ إلا وسعته ، كما قال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] وكما قال وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ طه : 98 ] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي ، وفمي في الحجر . وقوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ يريد من الحسنات ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ يريد من السيئات ، قاله السدي وجماعة من المفسرين ، لا خلاف في ذلك ، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان . وجاءت العبارة في الحسنات ب لَها من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه ، وجاءت في السيئات ب عَلَيْها ، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة . وهذا كما تقول لي مال وعلي دين ، وكما قال المتصدق باللقطة : اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعليّ ، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام . كما قال فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [ الطلاق : 17 ] هذا وجه ، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر اللّه ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى ، وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد . قال القاضي أبو محمد : وهذا صحيح في نفسه ، لكن من غير هذه الآية .